جمعية العاديات في سلمية
أهلا بكم في هذه المساحة الحرة لنعمل جميعا من أجل المحافظةعلى الأوابد فهي شاهد على جهد إنساني وحضارة تحثناعلى أن نكون

جمعية العاديات في سلمية

منتدى جمعية العاديات في سلمية
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
مبروك لجمعية العاديات في سلمية منتداها الجديد ونرجو من الجميع المشاركة لتعم الفائدة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
سلمية

 

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

شاطر | 
 

 الفارابي ومدينته الفاضلة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
غالب المير غالب



المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 20/04/2011

مُساهمةموضوع: الفارابي ومدينته الفاضلة   الأربعاء أبريل 20, 2011 11:19 pm

الفارابي و مدينته الفاضلة
ولد أبو النصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ في بلدة " وسيج" قرب فاراب على نهر " سيحون" عام 260 هجري .
هاجر إلى بغداد بصحبة والده الذي كان جندياً فقيراً ، و في بغداد درس العربية و تعلم النحو على يدي " ابن السراج" ، و قرأ العلم و أصول الحكمة على يدي الطبيب " ابن حيلان" ، و أخذ المنطق من " ابن يونس" ، غادر بغداد سنة 329 هجري بعد مقتل الخليفة " المتقي" متوجهاً إلى " دمشق" التي وصلها سنة 330 هجري ، و أقام فيها فترة ، عمل فيها حارساً لبستان ، و في الليل يسهر للمطالعة معتمداً على قناديل الحراس ،ثم توجه بعدها إلى حلب ، و لزم بلاط " سيف الدولة الحمداني" بضع سنين اعتزل الناس خلالها منشغلاً بالتأليف ، و البحث عن الحكمة ،أعرض عن المناصب الرفيعة ، و عرف بقوة التفكير ، و اشتهر بمعرفته للغات كثيرة ، كان حاد الذكاء ، رياضياً شاعراً ، كريم النفس ، عشق الموسيقى فبرع فيها ، و داعبت أنامله الأوتار فأبكى و أضحك ، اخترع القانون و عزف عليه ، أعجبت ألحانه السامعين و سلبت ألبابهم ، تلك الألحان العجيبة الخالدة ، كان يحب الخلوة و الإنفراد بنفسه ساعياً بها إلى الارتقاء بالعلم و المعرفة و الحكمة ، لقد أكمل تأليف مئة و ست و عشرين كتاباً و رسالة ، منها تسعة كتب في الرياضيات و النجوم و الكيمياء ، و ثلاثة كتب في الموسيقى ، و أثنا عشر كتاباً في المنطق ، و لقد توفي في " حلب" سنة 339 هجري ، بعد أن أكمل مشوار حياته التي عاشها عيشة العالم المنقطع لعلمه ألساع وراء تحصيل ذلك العلم ، و من ثم تعليمه لمن يحتاجه و يطلبه.
المدينة الفاضلة حلم راود الكثير من الحكماء و الفلاسفة ، أولئك الذين أفنوا حياتهم في سبيل تحقيق هذا الحلم الذي يهدف إلى تطبيق العدالة بين البشر و الوصول بهم إلى حياة متكاملة خالية من الشر و السوء و الظلم و القهر ، لذلك تخيلوا مدنهم ذات أحكام عادلة بكل تفاصيلها و تيقنوا أن هذه المدن من الممكن وجودها في عالمنا الذي نحياه إذا توفرت لها الشروط المناسبة ، و القيادة السياسية و الاجتماعية و الدينية المنصفة و العادلة .
و ما مدينة الله / للقديس أوغسطين/ إلا مثالاً حقيقياً حول فكرة تعميم العدل بتأييد من الله و تعاون قيادات تلك المدينة فيما بينهم و بين السكان ، و إنصاف كل فرد فيها كبر مركزه أم صغر ، و أما " مدينة الشمس " / لكامبانيلا/ ، فقد مزج فيها بين قدرة الله على العدل ، و رغبة الإنسان و طموحه للوصول لهذا العدل ، و باعتبار الشمس مصدراً للحياة لذلك سمى مدينته باسمها ، و تمنى أن ينظم المجتمع وفقاً لأصول العلم الطبيعي و الفلسفة و يتولى فيها الحكم أفضل العلماء و أقدرهم ، و تضمحل فيها سلطة رجال الدين رويداً رويداً ، و أما / فرنسيس بيكون / فقد سمى مدينته " اطلنطا الجديدة" و اعتبرها دولة مثالية يحكمها العلماء و الفلاسفة ، و أما المفكر الكبير / توماس مور/ فقد سمى مدينته " يوتوبيا " مستقياً هذا الاسم من اليونانية القديمة و معناه ( لا مكان) و قد ظن البعض أنها تناظر كلمة " طوبى" التي جاءت في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى في سورة الرعد (( الذين عملوا الصالحات طوبى لهم و حسن مآب)) و من هنا نجد بعض المترجمين المعاصرين يضعون كلمة "طوباوية" في مقابل لفظ " يوتوبيا" الذي جعلها " مور" عنواناً لكتابه الذي صور فيه المدينة المثالية التي تحقق للبشر أكبر قدر من السعادة التي يحلمون بها ، و فيها تستأصل من نفوس الناس نوازع الشر و تحولهم إلى عناصر خير و تعاون و محبة ، و من بعده جاء المفكر الانكليزي / ولز/ بمدينة سماها " يوتوبيا الحديثة " طور فيها أفكار / مور / و أعطاها مجالاً أوسع لتحقيق العدالة المفقودة في أيامه .
و هكذا نرى أن كل هؤلاء الحكماء بحثوا عن المدينة الفاضلة التي تخيلوها بفكرهم و ضمن ثقافتهم المكتسبة و من خلال بيئتهم و مجتمعهم الخاص بهم ، ربما التقت الغاية من المدينة الفاضلة عند من كتب عنها ، و هذه الغاية هي ( العدل و التعاون و التطور الأخلاقي و الإنساني )، و لكن معاني و تفاصيل المدينة الفاضلة اختلفت من حكيم لأخر ، و تبقى تلك المدينة البوتقة التي تحوي سعادة الإنسان على هذا الكوكب ، و يمكننا القول أن الملهم الأول لفكرة المدينة الفاضلة هو " أفلاطون " من خلال كتابه المشهور " الجمهورية" حيث وضع فيه الأسس و المبادئ التي تحقق سعادة الإنسان ( من وجهة نظره) و لقد تبنى أفكار " أفلاطون " الكثير من الحكماء من " أوغسطين" إلى " توماس هوبز" في كتابه " مدينة السلام و الحرية و الالتزام" مروراً بمن ذكرنا .
و في المشرق ظهرت فكرة المدينة الفاضلة عند الكثير من المفكرين و الفلاسفة أمثال " أبن سينا" و إخوان الصفاء " الذين سموها / دولة أهل الخير / و " محمد إقبال" شاعر الباكستان / الذي دعا إلى إقامة دولة لا ظلم فيها ، أفكار هذه الدولة و سبلها تطابق في أغلبها مدينة " الفارابي" ، و هكذا نجد أن مدينة " الفارابي الفاضلة" صارت مصدراً للمدن الفاضلة في المشرق ، و ربما تبناها أحد فلاسفة الغرب ، و السبب الرئيسي للأخذ من معينها هو وضوح صورتها و تكاملها ، و وجود تفاصيل دقيقة للحياة فيها ، لذلك يمكننا القول أن " مدينة الفارابي" هي أرقى المدن و أقدرها على تحقيق العدل ، و أشد المدن تنظيماً ، و هي مزيج بين الفلسفة اليونانية و بين التراث الإسلامي و الشريعة الخاصة ، و هي في بناءها السياسي و عناصره الفكرية و القانونية و التربوية ، و في تصورها للسيادة و هرم السلطة لدى الحاكمين و في ممارستها للسياسة الداخلية و الخارجية تعرض فكراً مركباً يحس معه القارئ أن الفارابي بالرغم من غرابة مصطلحاته اللغوية ليس غريباً عن عالمنا الحاضر ، فالدولة عنده هي نظام كلي ، و المواطنون هم أجزاء هذا النظام و هم يستمدون منه وجودهم ، و هم يدينون جميعاً للرئيس الأول بالولاء المطلق و الطاعة التامة ، و هم متوحدون في سلسلة التبعية لخدمة أوامره، وفق خطة متكاملة تنفذ تنفيذاً محكماً ، فالتنظيم لهذه الدولة صارم صرامة لا يقربها إلى الذهن سوى تنظيم المصنع الذي نشاهده في الدول الصناعية اليوم ، و "دولة الفارابي" لا تستهدف القوة الكاملة ، و إنما تستهدف غرضاً نبيلاً يتمثل في عملها الإيجابي الذي يؤدي إلى السعادة في هذه الحياة ، و إلى السعادة القصوى في الحياة الثانية بعد الموت و ذلك لكل المواطنين على أساس المبدأ النسبي لقدراتهم أنفسهم و سلوكهم في إطار سلم السعادة و الشقاء .
اتخذ الفارابي دولة السلطان المطلق المتمثلة في قوة مركزية ، و هذا يعد مثلاً أعلى للتنظيم السياسي المتين و خاصة حينما يشبه الدولة الكاملة بالبدن التام الصحيح الذي تنتظم أعضاؤه المختلفة المتفاضلة في أهمية وظائفها في نسق غير متكافئ العناصر يسود فيه القلب ،( و كما أن العنصر الرئيسي في البدن هو بالطبع أكمل أعضائه و أتمها في نفسه و فيما يخصه ، كذلك رئيس المدينة هو أكمل أجزاء المدينة فيما يخصه ، و له من كل ما شارك فيه أفضله ، و دونه قوم مرؤوسون منه و يرأسون آخرين) .
إن دولة الفارابي تمثل نسقاً شاملاً مبنياً على نظام دقيق سياسي و اقتصادي و اجتماعي دولة إيجابية لا قهر فيها ، واقعها لا يفصل النظام كمبدأ أساسي في البناء السياسي عن الأخلاق كهدف رئيسي لهذا النظام ، و الدولة برأي الفارابي هي التي تخلق الظروف المناسبة المادية و المعنوية لكي تساعد المواطن على تحقيق " الكمال الأول" أو السعادة القصوى في هذه الحياة ، تعدل و لا تظلم ، و الفارابي يعتبر أن النظام في دولته أقيم لأجل غاية نبيلة ، و هو لم يفصل بين مسئولية الدولة عن مسئولية الفرد في تحقيق السعادة التي جعلها الفارابي المبدأ الأساسي و المعيار السياسي الذي يستخدم في تقرير ماهية الحكم و وظيفته ، و صلاحية الحاكم لتولي منصبه ، و السعادة هي الأساس الذي أقام عليه الفارابي مدينته الفاضلة ، و كذلك اعتبر السعادة المفتاح الأساسي لهذه المدينة ، و قد أكد على أن الالتزام السياسي و الأخلاقي يسيران جنباً إلى جنب ، بل هما وجهان لعملة واحدة ، و لن يبلغ الفرد الكمال أو السعادة في الحياتين إلا إذا كان سلوكه عند التطبيق فاضلاً ضامناً للأخلاق الفكرية العملية التي يمارسها .
و جعل الفارابي للدين شأناً كبيراً في التهذيب ، و للمعرفة العقلية الخالصة دوراً هاماً في بناء دولته ، و هو يرى أن العناية الآلهية محيطة بالأشياء كلها ، و أن الخير في العالم أكثر من الشر ، و يرى أن الدين و الفلسفة لا يتناقضان بل يكمل بعضهما البعض ،و لا توجد خلافات جوهرية بينهما لأن أصلهما واحد و هذا الأصل يحوي المعرفة و الحق و الحياة ، و هذا ما جعل الفارابي ينادي بالتوفيق بين الدين و الفلسفة و وحدة أهدافهما و غاياتهما ، و الفروق التي يعتقد البعض بوجودها بين الدين و الفلسفة ما هي إلا فروق في الظاهر و ليست بالجوهر ، و قد قال: " إن أكمل اجتماع إنساني هو الاجتماع الذي يشتمل على جميع أمم الأرض ، و أحسن دولة تنال بها السعادة هي الدولة الكبرى " . أي أنه تصور قيام دولة كبرى تجمع أمم الأرض كافة ، و كأنه يحث على اجتماع الدول في العالم كافة ضمن دولة واحدة ، تتعاون الدول داخلها و تحل المشاكل فيما بينها ضمن إطار الدولة الكبرى ، و هذا يشبه إلى حد ما في حاضرنا ( هيئة الأمم المتحدة) ، و في هذا توسع في فكره إلى أبعد ما وصل إليه " أفلاطون " في جمهوريته ، تلك الجمهورية الضيقة بحدودها و معارفها ، كان حلم الفارابي تحقيق السعادة لجميع بني البشر ، و لذلك بذل جهداً كبيراً في تصوره لنظام الكون تصوراً علمياً دقيقاً يربط الفلسفة بالشريعة ، و هو يعتبر الإيمان أساساً راسخاً لهذا النظام ، و لذلك واجه الملحدين و سفه آرائهم و اعتبر أن الله سبحانه و تعالى هو خالق الكون و واجب الوجود بذاته ، و عنه تعالى انبثق العقل الأول ، و نشأت كرة السماء الأولى ، و عن العقل الأول انبثقت باقي العقول ، و سمى الدنيا " عالم الكون و الفساد" و قال : إن الإنسان الرفيع هو الذي يستطيع التسامي إلى الله عز و جل عن طريق الفضائل بالشريعة و العقائد ، و بهذا يعلوا صعداً إلى مرتبة الإشراق ثم الاتصال ، و الفارابي الفيلسوف الصادق في أقواله و أعماله و سلوكه ، المؤمن بالله و بالعقل ، المخلص للفلسفة و الدين سوية ، هذا الأب الكبير للفلسفة العربية ، و الحكيم المعلم بعد " أرسطو" ، كان صاحب رسالة اجتماعية دعامتها أن الدين و الفلسفة هما المصدر القويم للحياة الروحية ، و أن هذه الحياة هي الأساس لكي يكون المجتمع البشري فاضلاً ، و هو يرتفع بمذهبه الفلسفي على قواعد النفس و العقل و الإيمان مستهدفاً بذلك الأخلاق و السياسة و الاجتماع .
هكذا مزج الفارابي تعاليم الدين الإسلامي القويم مع مبادئ الفلسفة القديمة ، و هاله الواقع السياسي و الاجتماعي و ما فيهما من فساد و انحراف و ضعف فكتب بعد سبعين عاماً من تحصيله للعلوم و المعارف و الحكمة و من خلال تجربته الواعية و سلوكه الصارم أعظم آثاره ( آراء أهل المدينة الفاضلة ) و الفضيلة عنده هي سبيل السعادة ، و دعامتها التعاون و لهذا يعرف مدينته قائلاً: ( التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة) و التعاون عنده نوعان :
1-:تعاون فكري قوامه الحكمة و العلم يؤدي بالفاضلين في المدينة إلى معرفة الله و العقل و الوجود و الوحي ، أو المزاوجة الفكرية بين الفلسفة و الدين .
2-: تضامن أهل المدينة و التزامهم بممارسة الفضيلة و عمل الخير ، و هذا التعاون في سبيل المنافع و المقاصد العادلة و المشتركة بين أهل المدينة هو قاعدة البناء الاجتماعي عند الفارابي و أمر لا بد منه لبقاء الإنسان و لهذا يقول : "إن الإنسان مفطور على الاجتماع لأنه لا بقاء للأفراد إلا إذا تعاونوا على ما يحتاجون إليه ، و المجتمع النامي و الباقي هو المجتمع الفاضل " ، و يعتبر الفارابي أن رئيس المدينة محله من المجتمع محل القلب من الجسم فهو الذي يرأس غيره و لا يرأسه إنسان ، و هو الذي يأمر و لا يؤمر ، و الفارابي يتصور مدينته و قد نمت عدداً ، حتى شملت الأمة كلها ، و المعمورة بأسرها و يرى أن الفلسفة هي تاج للإنسان السامي ، و الإسلام هو رسالة للبشرية جمعاء ، و لقد اشترط في أهل مدينته المعرفة و العلم و الفلسفة ، حتى يؤدوا على خير وجه فالعلم و الدين هما أساس الفضيلة و السعادة ، و طالب أهل المدينة بالطاعة و الانضباط تحت راية النظام ، و طالبهم بالسعي وراء العلم و العمل على التقيد بهذا العلم و تطبيقه حسب ما هو لا كما يرغب الفرد ، و على الفرد أن يؤدي وظيفته حسب مقدرته الطبيعية و حاجات باقي الأفراد و الأمة و مصالحها ، و هكذا تتضح غاية الفارابي من إقامة مدينته الفاضلة و هي تكوين مدينة الخير و الصلاح و السعادة للبشرية جمعاء ، كل ذلك مبني على أساس من العقل و الدين و التجربة الواعية ، و كانت أمثاله خير القواعد للحكم الصالح في كل زمان و مكان ، كما دعا إلى القيادة الجماعية حين تعثر ودود شخص يحمل مواصفات رئيس المدينة ، و وجود هذه الفضائل في شخص واحد مطلب نادر الحدوث لا يتحقق إلا في واحد فقط بين الناس جميعهم في فترة واحدة و عصر واحد ، لذا تراه يدعوا إلى تدوين الشرائع و السنن التي سنها الرؤساء الفاضلين بالتتابع لكي يستفاد منها زمن غياب الرئيس الحقيقي و انقطاع الاتصال بالله عز و جل ، و هو يرى أن نظام الشعب و علمه و سلوكه أموراً أساسية في تكوين المدينة الفاضلة ، و الرئيس مهما أوتي من العزم لا يستطيع تكوين المجتمع الفاضل وحده ، و التعاون الجماعي أهم القواعد التي يقوم عليها بناء المجتمع المثالي و تنظيمه ، و برأيه أن تتعاون أمم الأرض جميعاً لتكوين كون مثالي خال من الظلم و الاضطهاد تسوده العدالة و العلم و المعرفة ، و الأمة في تعاونها أشبه ما تكون بالبدن الصحيح تتعاون أعضاؤه على القيام بوظائف الحياة للإنسان ، و فيها القلب في مكان الرئيس و أعضاؤه تقرب مراتبها منه أهمية و خطراً ، و أخرى ليس لها سوى العمل و الحركة و تنفيذ الأوامر ، و إذا لم يؤد كل من الرئيس و القادة و العمال وظيفته اختل نظام الأمة و وهنت و هددتها عوامل الفساد و الفناء ، و قال في ذلك : " إن المدينة الفاضلة ، هي التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة الحقيقية " . و عن حاجة الإنسان إلى الاجتماع و التعاون يقول : " و كل واحد من الناس مفطور إنه محتاج في قوامه ، و في أن يبلغ أفضل كمالاته إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها لوحده ، بل يحتاج إلى قوم يتقدم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه ، و كل واحد منهم يحتاج كما هو ، فلذلك لا يمكن أن ينال الإنسان الكمال الذي لأجله جعلت الفطرة الطبيعية إلا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونة يقد م كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه في قوامه ، فالخير الأفضل و الكمال الأقصى إنما ينال أولاً بالمدينة لاجتماع الذي هو أنقص منها " .كما قال باندماجية الدولة و تماسك المجتمع على مبدأي المحبة و العدل ليكونا أساساً في بناء الدولة و تنظيمها ، و هنا يقول: " إن أجزاء المدينة و مراتب أجزائها يأتلف بعضها مع بعض ، و ترتبط بالمحبة و تتماسك ، و تبقى محفوظة بالعدل و أفاعيل العدل " .
قسم أهالي المدينة الفاضلة إلى خمسة أقسام :
1-: الأفاضل ( الحكماء و المتعقلون) ذوو الآراء الحاسمة في الأمور العظام.
2-: ذوو الألسنة ( الخطباء و البلغاء و الشعراء و الكتاب ) .
3-: المقدرون ( الحساب و المهندسون و الأطباء و الكتاب و المنجمون ) .
المجاهدون ( المقاتلون و الحفظة ) .
5-: الماليون ( مكتسبو الأموال في المدينة مثل الفلاحين و الرعاة و الباعة ) .
و من واجبات الحاكم أن يعيد إلى المواطن خيراً مساوياً لما يخرج من يد المواطن سواء بإرادته مثل البيع و الهبة و القرض ، أو بغير إرادته مثل السرقة أو الاغتصاب ، على أن يكون ما يعود عليه إما نافعاً للدولة أو غير ضار بها ، و أن يمنع بالعقوبة العادلة ما هو ضار بالدولة ، فصالح الدولة و صالح الفرد مرتبطان لا انفصال بينهما ، و وظيفة الحاكم القاضي أن يزن آثار كل منهما على الآخر و يجعل من ساحة القضاء ميزاناً و سلطاناً يحقق العدالة و يبعد الجور عن الناس في ميدان العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية ، و يكفل المحافظة على التوازن النسبي في بناء المجتمع و الدولة .
و يستفيض الفارابي في شرحه الدقيق لمبدأ العدل و تطبيقه في الحياة العامة للدولة على النحو التالي : " العدل أولاً في قسمة الخيرات المشتركة التي لأهل المدينة على جميعهم ثم بعد ذلك في حفظ ما قسم عليه ، و تلك الخيرات هي السلامة و الأموال و الكرامة و المراتب و سائر الخيرات التي يمكن أن يشتركوا فيها ، فإن لكل واحد من أهل المدينة قسطاً من هذه الخيرات مساوياً لما يستأهله فنقصه عن ذلك أو زيادته عليه جور ، أما نقصه فجور عليه ، و أما زيادته فجور على أهل المدينة " .
إن حياة المواطن عند الفارابي هي في خدمة المدينة و عليه أن يضحي بروحه بدون تردد إذا كانت هذه التضحية فيها منفعة لأهل المدينة أكبر من نفعه لهم و هو حي ، إذاً واجب التضحية من أساسيات شخصية الفرد في المدينة الفاضلة و يقول عن ذلك: " ليس ينبغي للفاضل أن يستعجل الموت بل ينبغي أن يحتال في البقاء ما أمكنه ليزداد من فعل ما يسعد به ، و لئلا يفقد أهل المدينة المنفعة بفضيلته ، و إنما ينبغي أن يقدم على الموت إذا كان نفعه لأهل المدينة بموته أعظم من نفعه لهم في مستقبل حياته ،و إذا حل به الموت كرهاً فليس ينبغي أن يجزع بل أن يكون فاضلاً فلا يجزع منه أصلاً" .
و وضع الفارابي رئيس المدينة الفاضلة بمكانة عالية و بمرتبة سامية لا ينالها أي إنسان إذا أراد إنما هي منحة من الخالق سبحانه و تعالى ، و رأيه هذا بالتأكيد مطابقاً لرأي جماعة إخوان الصفاء و خلان الوفاء ، فبالنسبة لهم رئيس المدينة و صفاته النادرة التي تراها الناس فيه فتتبعه ، و الناس لا يحق لها تنصيبه ، بل عليهم السير وراؤه و التقيد بإرشاداته و تطبيقها دون أي حق لهم بالاعتراض عليها كاملة أو مجزأة ، و هذا الفارابي يقول : " إن الرئيس الحقيقي هو رئيس الأمة الفاضلة ، و رئيس المعمورة كلها بل هو فوق الجميع ، و ليس في وسع كل إنسان أن يكون رئيساً لأن الرئاسة لا وجود لها في كل شخص ، و إنما يكون الرئيس إنساناً قد استكمل جميع الصفات الحسنة فصار عقلاً و معقولاً بالفعل ، و تكون القوة المتخيلة قد استكملت عنده بالطبع حتى صارت قادرة في اليقظة أو في وقت النوم أن تقبل الجزئيات عن العقل الفعال ، فالإنسان الذي حل فيه العقل الفعال هو الذي يصلح للرئاسة فيفيض عليه ما يفيض من الله على العقل الفعال ، و يكون حكيماً و فيلسوفاً نبياً منذراً بما سيكون ، و مخبراً بما هو الآن ، و يكون في أكمل مراتب الإنسانية و في أعلى درجات السعادة ، ثم يجب أن يكون له مع ذلك قدرة بلسانه على جودة القول و التخيل ، و قدرة على جودة الإرشاد إلى السعادة ، و أن يكون له مع ذلك جودة و ثباتاً في بدنه لمباشرة الأعمال " .
و الصفات التي يجب أن تتوفر في رئيس المدينة أثنا عشر صفة قد فطر عليها و هي موجودة عنده بالفعل و ليست بالقوة ، و هي منحة من الله سبحانه و تعالى و ليست مكتسبة بالعمل :
1-: أن يكون تام الأعضاء .
2-: جيد الفهم و التصور بطبيعته .
3-: جيد الحفظ لما يفهمه ، و لما يراه و يسمعه و يدركه .
4-: جيد الفطنة ذكياً .
5-: حسن العبارة ، ما يبطنه يظهره .
6-: محباً للتعلم و الاستفادة .
7-: غير شره للأكل و الشرب ، و يبتعد عن اللهو و اللعب .
8-: محباً للصدق و أهله ، مبغضاً للكذب و أهله .
9-: كبير النفس ، محباً للكرامة .
10-: يتساوى عنده الدرهم و الدنيا ، و سائر مغريات الدنيا هينة عنده .
11-: يحب بطبيعته العدل و أهله ، و يكره الظلم و أهله ، و لا يقبل الجور .
12-: قوي العزيمة ، جسور ، مقدام ، قوي النفس ، لا يخاف .
و يختتم وصفه قائلاً : "إنه الإمام ، و هو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة ، و هو رئيس الأمة الفاضلة ، و هو رئيس المعمورة من الأرض كلها " .
و يذهب الفارابي إلى أن الملوك الذين يتوالون على رئاسة المدينة الفاضلة في الفترات المختلفة واحداً بعد واحد سواء كانوا في مدينة واحدة أو في مدن متعددة ، متعاصرة ، فإنهم كنفس واحدة ، أو كأنهم ملك واحد يبقى الزمان كله ، لأن هؤلاء الملوك قد كملوا في العقل و في التخيل ، و بما أن الكمال واحد فيهم فإنهم لا يختلفون في شيء .
و لقد توصل الفارابي عن طريق الإيمان العميق إلى باطن الحكمة العقلية ، فأخذ منها حتى ارتوى من جواهر العلوم و المعرفة ، و لما شعر بالسعادة الكبيرة ، نظر بعين العقل إلى جسده الفاني فكرهه ، و تمنى التخلص منه لينظف نفسه مما علق بها من أدران العالم الذي عاشه ، و لتتحرر من سجنها و تنطلق إلى حيث الراحة و العدالة إلى مدينته الفاضلة التي رآها مدينة روحانية في عالم روحاني لا أجساد فيه ، و لا ظلم فيه ، و لا قهر و لا استعباد ، هذا العالم الخيالي الذي آمن به الفارابي تمنى وجوده في عالم الكون و الفساد ، و لكن التمني شيء و الواقع شيء آخر ، و هذا العالم لا يمكن إدراكه إلا بالتصور أو بالتخيل أو بالحلم مع قليل من الواقع إذا توفر ت عناصره المميزة ...
المصادر و المراحع: [غالب المير غالب
النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ( د/ حسين مروة ) دار الفارابي بيروت 1980 .
-:في الفلسفة الإسلامية ( د/ إبراهيم مدكور – دار المعار ف بمصر 1976.
-" أبو نصر الفارابي في الذكرى الألفية " 950م" ، تصدير د/ إبراهيم مدكور ، الهيئة المصرية 1983م.
-: المذاهب الفلسفية ( د/ عادل العوا ) أبن حيان 1986-1987م دمشق.
-: الفارابي ( د/ مصطفى غالب) دار و مكتبة الهلال ، بيروت 1979م ؟
-: تاريخ العلوم عند العرب ( محمد مرحبا) دار الفيحاء ، بيروت 1968م.
-: الفارابي ( جوزيف الهاشم) المكتب التجاري ، بيروت ، 1968.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الفارابي ومدينته الفاضلة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جمعية العاديات في سلمية :: التاريخ والآثار :: صور هامة من تاريخ سلمية-
انتقل الى: